ابن كثير
502
السيرة النبوية
فبينما هم على أمرهم أتى هرقل برجل أرسل به ملك غسان فخبرهم عن خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما استخبره هرقل قال : اذهبوا فانظروا أمختتن هو أم لا ؟ فنظروا إليه فحدثوه أنه مختتن ، وسأله عن العرب فقال : هم يختتنون . فقال هرقل : هذا ملك هذه الأمة قد ظهر . ثم كتب إلى صاحب له برومية ، وكان نظيره في العلم . وسار هرقل إلى حمص فلم يرم ( 1 ) حمص حتى أتاه كتاب من صاحبه يوافق رأى هرقل على خروج النبي صلى الله عليه وسلم وأنه نبي ، فأذن هرقل لعظماء الروم في دسكرة ( 2 ) له بحمص ، ثم أمر بأبوابها فغلقت . ثم اطلع فقال : يا معشر الروم ، هل لكم في الفلاح ( 3 ) والرشد وأن يثبت لكم ملككم ؟ فتبايعوا لهذا ( 4 ) النبي . فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب فوجدوها قد غلقت ، فلما رأى هرقل نفرتهم وأيس من الايمان قال : ردوهم على . وقال : إني إنما قلت مقالتي آنفا أختبر بها شدتكم على دينكم فقد رأيت . فسجدوا له ورضوا عنه . فكان ذلك آخر شأن هرقل . قال البخاري : ورواه صالح بن كيسان ويونس ومعمر عن الزهري . وقد رواه البخاري في مواضع كثيرة في صحيحه بألفاظ يطول استقصاؤها . وأخرجه بقية الجماعة إلا ابن ماجة من طرق عن الزهري . وقد تكلمنا على هذا الحديث مطولا في أول شرحنا لصحيح البخاري بما فيه كفاية ، وذكرنا ما فيه من الفوائد والنكت المعنوية واللفظية ولله تعالى الحمد والمنة . * * * وقال ابن لهيعة عن الأسود ، عن عروة قال : خرج أبو سفيان بن حرب إلى الشام
--> ( 1 ) لم يرم : لم يبرح . وفى الأصل بحمص . وما أثبته عن البخاري . ( 2 ) الدسكرة : بناء كالقصر حوله بيوت . ( 3 ) ا : الصلاح . ( 4 ) الأصل : فتتابعوا . وما أثبته عن صحيح البخاري 1 / 5